محمد جواد مغنية
16
في ظلال نهج البلاغة
وهكذا لو نظر المرء إلى كل حاكم مخلص لوجده يسمو به العدل والخوف من اللَّه ان يقدر نفسه بضعفة الناس من رعيته ، فيكتفي من اللباس بطمرين ، ومن الطعام بقرصين كيلا يتبيع بالفقير فقره كما قال الإمام في الخطبة 257 . وفي الحديث : ان رسول اللَّه ( ص ) ما اتخذ قميصين ولا إزارين - بل قميصا وإزارا - ولا زوجين من النعال . ( بلى كانت في أيدينا فدك إلخ ) . . . وهي قرية في الحجاز كانت لجماعة من اليهود ، فصالحوا رسول اللَّه ( ص ) عليها ، أو على نصفها حسب اختلاف الروايات ، فملكها النبي بنص الآية الأولى من سورة الأنفال ، ثم وهبها لابنته سيدة النساء ، وتصرفت بها في حياته ، ولما انتقل إلى الرفيق الأعلى أخذها أبو بكر ، وقال : هي للمسلمين ، فأغضى الإمام وتجاهل ، ولم يثرها حربا عملا بمبدأه الذي أعلنه في الخطبة 72 : « واللَّه لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين ، ولم يكن فيها جور إلا عليّ خاصة » وعليه يكون المراد بشحت نفوس نفس أبي بكر ومن وافقه وآزره على عمله ، والمراد بسخت عنها نفوس نفس الإمام وفاطمة . وتقدم الكلام عن فدك بنحو من التفصيل في شرح الخطبة 200 على ما وعته الذاكرة . ( وما أصنع بفدك وغير فدك إلخ ) . . . وهل انتفع بالعقار والأموال ، وأنا محمول على الأعواد ، أو في قبر موحش مظلم يتراكم من فوقي التراب أو تسدد عني الحساب حين وقوفي بين يدي اللَّه يسألني عما جمعت وتركت وفعلت وهل من شيء أقسى على الإنسان من أن يكد ويشقى في جمع الحطام ، ثم يتركه إلى غيره لا ينتفع به في قبره ويوم حشره . ( وانما هي نفسي أروضها بالتقوى إلخ ) . . . والتقوى هي دعوة الاسلام والقرآن : * ( « يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ) * - 1 النساء » . وقوله : « من نفس واحدة » يومئ إلى أن التقوى عند اللَّه أن تساوي نفسك بكل نفس ، ولا ترى لها فضلا على سواك كائنا من كان إلا بالتقوى ، ومعنى ترويض النفس بالتقوى أن تطهرها من كل شائبة كالبغض والكذب والحسد ، وان تحيي ضميرك بحب الخير للناس ، كل الناس .